سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
284
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
ولسان حال الربوبية ينادي إذا نفخ في ترابهم نسمة من روحه فتألهوا بها مع هيكلهم الترابي مفتقراً على بارئ النسم وقد أنشأهم من العدم . وحاموا جهلا وغررا حول إدراك تلك القوة التي تناديهم من فوق عظم يحيط رؤوسهم ويضغط على أدمغتهم حتى لا تتعالى فوق قدرها ولا تتجاوز إلا ما كان من القدر المعلوم . قال الأستاذ « علي منلا خان » : أما القضاء والقدر ، فيجب التنبه فيهما إلى معنى التعريفات إذ كثيرا ما يظنون القضاء والقدر شيئاً واحداً بالمعنى والمبنى . وخير التعاريف : أن القضاء هو ما قضى به الخالق سبحانه جملة في اللوح المحفوظ بالتعينات الأزلية والقدر ما تنزل على الأرض بالتدريج من ذلك المجموع واحدا فواحدا ، حادثا فحادثا بشخص معلوم ، في زمن محدود ، بسبب معين ، كموت زيد في المرض الفلاني بالعلة الفلانية . هذا ما قاله أستاذنا وأظن أن كل ذلك يا حضرة الشيخ هو من نسياتك في السليمانية ! فما عندك من الدحض والدفع لتقولات الزمخشري ومذاهب الجبرية والمعتزلة والقدرية ؟ فبهت الشيخ بهتة رجل ظهر على وجهه أنه لم يفقه كل ما قيل ولم يحب أن يظهر على نفسه العجز فجمع نفسه واعتصم بالجرأة وقال : يا حضرة السيد ، إن ابن خلدون أعلم مني ومنك وهو الذي حذّر من قراءة تفسير الزمخشري فما قولك أنت بتحذير ابن خلدون ؟ ! فطلب جمال الدين مقدمة ابن خلدون وقرأ فصل التفاسير حتى وصل إلى ذكر الزمخشري وإذا هو يقول بالحرف الواحد : « إن خير ما اشتمل عليه هذا الفن من التفاسير كتاب الكشاف للزمخشري من أهل خوارزم العراق ، إلا أن مؤلفه من أهل الاعتزال في العقائد فيأتي بالحجاج على مذاهبهم الفاسدة حيث تعرض له في آي القرآن من طرق البلاغة فصار بذلك للمحققين من أهل السنة انحراف عنه وتحذير للجمهور من مكامنه مع إقرارهم برسوخ قدمه فيما يتعلق باللسان والبلاغة ، وإذا كان الناظر فيه واقفا على المذاهب السنية ، محسنا للحجاج فيها فلا جرم أنه مأمون من غوائله فلتغتنم مطالعته لغرابة فنونه . . . » . هذا ما قاله ابن خلدون يا حضرة الشيخ ومنه يعلم أن الشرط الأعظم الذي وضعه ابن خلدون لمن يحب أن يستفيد